جان لوئيس بوركهارت
مقدمة 12
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وقليل من الأنهار الإفريقية هو الذي يصلح للملاحة ، إما لأن مجاريها تزدحم بالجنادل والشلالات ، وإما لأن مصباتها تسدها الحواجز ، أو تنتهى إلى البحر في أخاديد تخنقها الغابات ، ومن ثم كان الوصول إلى الداخل عن طريق الماء أمرا لا سهولة فيه ولا يسر . ولم يكن الانتقال بطريق البر قبل وسائل النقل الميكانيكى أقل صعوبة ، إذ أدى انتشار ذباب تسى تسى إلى تعذر استخدام الخيل أو الماشية أو أي نوع آخر من الحيوان دابة للنقل في مساحة واسعة من القارة ، ولهذا كان لا يوصل إلى الداخل إلا سيرا على القدم ، ولا يستخدم للعمل والنقل سوى الإنسان . وكان مناخ القارة باستثناء أطرافها الشمالية والجنوبية مما لا يلائم الأوربيين ، بل وكان قاضيا عليهم في كثير من الأحيان حتى عرفت الطرق الحديثة للعلاج ما توطن في المناطق الحارة من أمراض . أمام هذه المصاعب لم يكن غريبا أن يتأخر كشف الأوربيين لإفريقية إلى عهد حديث . . . لقد كان العرب يعرفون الكثير عن القارة الغامضة منذ العصور الوسطى حين كانت قوافلهم تعبر الصحراء من بلاد المغرب إلى تمبكتو ، وقد كتب ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي وصفا مفصلا لهذه المنطقة ، ولكن هذه المعلومات العربية ظلت مجهولة خارج نطاق العالم الإسلامي ، وكان أثرها ضئيلا في رحلات الكشف التي تمت بعد ذلك . واقتصرت معرفة الأوربيين بإفريقية على الاستكشافات التي قام بها المصريون والإغريق والرومان . وكان الرحالة القدماء يسلكون طرقا ثلاثة رئيسية تسير مع السواحل الشرقية أو السواحل الغربية أو تصعد في حوض النيل . وشملت معلوماتهم عن سواحل إفريقية الجزء الغربى منها حتى مكان « سيراليون » ، كما عرفوا حوض النيل حتى منطقة السدود . وقد اجتذبت منابع النهر اهتمام القدماء ، ولم يكن هذا غريبا إذ أن النيل هو النهر الذي غذى الحضارة المصرية وعلى أساسه قامت واستقرت ، وهو يجرى لمسافة طويلة عبر الصحراء دون أن ينصب فيه رافد واحد يجدد من حيويته ، وهو بعد أطول الأنهار التي عرفها إنسان ذاك الزمان .